ابن كثير
415
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وسلم إنما هو جبريل عليه السلام ، وهو قول أم المؤمنين عائشة وابن مسعود وأبي ذر وأبي هريرة ، كما سنورد أحاديثهم قريبا إن شاء اللّه تعالى . وروى مسلم في صحيحه عن ابن عباس أنه قال : « رأى محمد ربه بفؤاده مرتين » « 1 » فجعل هذه إحداهما ، وجاء في حديث شريك بن أبي نمر عن أنس في حديث الإسراء : « ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى » ، ولهذا قد تكلم كثير من الناس في متن هذه الرواية وذكروا أشياء فيها من الغرابة ، فإن صح فهو محمول على وقت آخر وقصة أخرى ، لا أنها تفسير لهذه الآية فإن هذه كانت ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الأرض لا ليلة الإسراء ، ولهذا قال بعده : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى فهذه هي ليلة الإسراء والأولى كانت في الأرض . وقد قال ابن جرير « 2 » : حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، حدثنا عبد الواحد بن زياد ، حدثنا سليمان الشيباني ، حدثنا زر بن حبيش قال : قال عبد اللّه بن مسعود في هذه الآية فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « رأيت جبريل له ستمائة جناح » . وقال ابن وهب : حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : كان أول شأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه رأى في منامه جبريل بأجياد « 3 » ، ثم إنه خرج ليقضي حاجته فصرخ به جبريل : يا محمد يا محمد ! فنظر رسول اللّه يمينا وشمالا فلم ير أحدا ثلاثا ، ثم رفع بصره فإذا هو ثاني إحدى رجليه مع الأخرى على أفق السماء فقال يا محمد جبريل جبريل يسكنه . فهرب النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى دخل في الناس ، فنظر فلم ير شيئا ، ثم خرج من الناس ثم نظر فرآه فدخل في الناس فلم ير شيئا ، ثم خرج فنظر فرآه ، فذلك قول اللّه عز وجل وَالنَّجْمِ إِذا هَوى - إلى قوله - ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى يعني جبريل إلى محمد عليهما الصلاة والسلام فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ويقولون : ألقاب نصف إصبع ، وقال بعضهم : ذراعين كان بينهما ، رواه ابن جرير « 4 » وابن أبي حاتم من حديث ابن وهب وفي حديث الزهري عن أبي سلمة عن جابر شاهدا لهذا . وروى البخاري عن طلق بن غنام عن زائدة عن الشيباني قال : سألت زرا عن قوله : فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى قال : حدثنا عبد اللّه أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 286 . ( 2 ) تفسير الطبري 11 / 508 . ( 3 ) أجياد : موضع بأسفل مكة . ( 4 ) كتاب التفسير ، تفسير سورة 53 ، في الترجمة .